مجمع البحوث الاسلامية

244

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * فأكّد الخلود فيهما ب ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ * وهذا تعبير قرآنيّ لم يأت إلّا في هاتين الآيتين ، أخذا من الدّوام في الدّنيا حيث يعبّر عنه ب ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، * وإلّا فليس في الآخرة سماوات ولا أرض مثل ما في الدّنيا . وأمّا الاستثناء إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ * فيهما فتأكيد لحرّيّته تعالى في الإرادة والمشيئة ، وأنّه لا يمنعه مانع عنهما . أمّا وقوع هذا الاستثناء بإخراج الفريقين من الجنّة والنّار ، فأمر مرجوّ منه تعالى في حقّ المؤمنين الّذين كانت لهم سيّئات ، فدخلوا النّار تطهيرا لهم . أمّا العكس وهو إخراج بعض أهل الجنّة منها ، فلم نقف على نصّ حول ذلك في القرآن ولا في الأخبار ، فيبدو أنّه أمر موقوف في حدّ الإمكان دون الوقوع ، وأنّه جاء مقابلا لحال الّذين شقوا توصيفا لا وقوعا . لاحظ « خ ل د » . ثالثا : مع وحدة السّياق في ذلك بين الفريقين خصّ أهل النّار بأمرين : 1 - لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ هود : 106 ، أوردها في آية واحدة ، ثمّ عقّبها في آية أخرى بقوله : خالِدِينَ فِيها . . . * تأكيدا لشدّة عذابهم . 2 - ختم هذه الآية بقوله : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ إرجاء لإخراجهم بعد العذاب من النّار ، ولم يأت بها في أهل الجنّة بل أكّد دوام رحمته لهم ب عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فسمّاه ( عطاء ) تقديرا وإكراما لهم ، ولو كان مقطوعا لما كان عطاء ، وبذلك نبّه - كما قال الفخر الرّازيّ - على أنّه ليس المراد بهذا الاستثناء في أهل الجنّة الانقطاع ، كما هو كذلك في جانب أهل النّار . وقال صاحب المنار : « والفرق بين هذا التّنزيل وما قبله عظيم . فكلّ من الجزاءين منه تعالى ومقيّد بمشيئته ، ولكنّه ذيّل هذا بأنّه هبة منه وإحسان دائم غير مقطوع . ولو كان الأوّل مثله غير مقطوع ، لما كان فضلا وإحسانا » . رابعا : قرئت ( مجدودا ) بالدّال المهملة ، نسبها البحرانيّ إلى الإمام الصّادق عليه السّلام . ولم يثبت تواتره ، ولا ذكرها غيره فلا يقرأ بها ، ولعلّه كان تفسيرا منه لا قراءة ؛ إذ جاء ( جدّ ) بمعنى قطع ، فلاحظ . خامسا : هناك فرق آخر بين الفريقين في رويّ الآيات ، فكان الرّويّ قبلها ( مشهود ) و ( معدود ) فتغيّر فيها إلى ( سعيد ، وشهيق ، ويريد ) بشأن الفريق الأوّل ، ولمّا انتقل إلى حال الفريق الثّاني - وهم الّذين سعدوا - رجع إلى الرّويّ الأوّل في آيتين : غَيْرَ مَجْذُوذٍ و غَيْرَ مَنْقُوصٍ تفريقا بينهما في التّعبير ، كما فرّق بينهما في المصير . سادسا : فسّروا ( جذاذا ) في ( 2 ) ب كسرا ، قطعا ، فتاتا - مصدرا - وبقطعا - جمعا - والأصل فيه اختلاف القراءة ، فقد قرئت بضمّ الجيم وكسرها وفتحها ، ولم يذكر الطّبريّ سوى الضّمّ والكسر ، واختار الضّمّ ، لإجماع قرّاء الأمصار عليه . ثمّ قال : « إنّه مصدر مثل الرّفات ، والفتات ، والدّقاق ، لا واحد له » أمّا ( جذاذا ) بالكسر فقال : « إنّه جمع جذيذ كخفيف وخفاف ، وكريم وكرام » . وأجاز الزّجّاج الفتح كالقطاع والحصاد ، وكذلك الضّمّ على أنّه جمع جذيذ أيضا ، مثل جديد وجدد ،